متعة السعادة في العيد بين الماضي والحاضر.. لها أون لاين - موقع المرأة العربية

متعة السعادة في العيد بين الماضي والحاضر..

كتاب لها
04 - شوال - 1440 هـ| 08 - يونيو - 2019


1

عندما كنا أطفالا كان العيد بالنسبة إلينا أملا نصبو إليه ، ونرتقب العيدين (الفطر والأضحى ) كي نلبس الملابس الجميلة، ونشتري المفرقعات،ونمتطي، صهوات الدراجات، ونركب الأراجيح.

وأذكر أنني عندما أيفعت صرنا نزور أصدقاءنا وأقاربنا في مثل هذه المناسبات، فتمتلئ جيوبنا بأنواع من الحلوى، وكم كانت سعادتنا عندما ندخل بيوتنا ننثرها على صغار البيت نثرا.

 وفي صباح العيد نتوجه (مع كبارنا) إلى المقابر لنزور الموتى؛ ثم نذهب إلى المسجد لأداء صلاة العيد، وكم كانت فرحتنا عندما كنا نشارك في التكبير والاستماع إلى خطبة العيد مسلمين بعد ذلك على أصحابنا وإخواننا.

 وحين نخلص إلى بيوتنا تستقبلنا المشويات من لحم الضأن(كما هي العادة) أو نأكل من الكبدة المقلية مع القلب والكلى... وأخيرا نقبل أيادي الأبوين معلنين بداية الفرحة بالعيد .

 وكانت العادات أن يقوم الأقارب بالمعايدة في الصباح، وتستمر إلى صلاة الظهر تقريبا. أما الأولاد، فيجوبون الشوارع بأزيائهم الجميلة، وكنا نستمع إلى أصوات مدافعهم الصغيرة تتصاعد في الفضاء.

وكذلك ألعابهم النارية؛ فكأنك في مهرجان متنوع العروض مختلف الصور،ويستمر هذا المهرجان يومين أو ثلاثة؛ ثم يتلاشى مثلما يتلاشى البرق في أجواز الفضاء.

 هذا هو العيد في مخيلتي عندما كنت صغيرا؛ إنه أشبه بمسرحية ذات فصول تعبر عن ابتهاج الناس صغارا وكبارا ،مسرحية يعدها ويوزع أدوارها، ويسلط الأضواء الإضافية عليها ،ويخرجها إحساس البشر بالفرح والسرور، وحاجتهم إلى الانطلاق من رتابة الحياة وتعاقبها على نمط معين.

 والآن وبعد أن أشرفت على نهاية العقد السادس من عمري الذي يحمل الكثير الكثير من المتغيرات التي طرأت على تفكيري وثقافتي، وتصوراتي وقناعاتي- سأتحدث عن العيد بمنطق آخر أملاه علي زاد عميق الغور من الثقافة الإسلامية والحياتية، ونظر يستوحي أبعاده من سنن الله في ملكوته وناموس الحياة الذي خلقه الله ربنا جل وعلا، وآلية التدافع البشري المنصوص عليه في كتاب الله سبحانه، والرؤى المستقبلية التي تحدثت عنها السنة المحمدية؛ فليس لأحد أن يتحدث عن أمر ما منعزلا عن إيمانه ويقينه المستمد من المنهج الذي ارتضاه لنفسه.

 للمسلمين عيدان: الأول يعقب فريضة الصوم، والثاني يتزامن مع فريضة الحج. فالعيدان- إذن - يمثلان فرحة الأمة التي أذعنت لأمر ربها ، فصامت رمضان المبارك؛ ثم أدت مناسك الحج، أو شاركت الحجاج في فرحتهم الغامرة إثر إحساسهم بأنهم خرجوا من ذنوبهم كيوم ولدتهم أمهاتهم ، والمسلمون جسد واحد.

 إن الإسلام يرغب في أن يكون للمسلين فسحة يعبرون من خلالها عن حبورهم وسرورهم بما حققوه وكسبوه؛ لذلك كانت أيام الأضحى والفطر أيام أكل وشرب وذكر لله عز وجل.

 لا ريب أن من مقاصد مشروعية العيد الاجتماع والتزاور والألفة، ونبذ الخلاف، والأخذ من طيبات الحياة بقدر، وإعلان التكبير والتحميد والتهليل والذكر والشكر لله سبحانه.

 لو سألنا أنفسنا سؤالا: متى شرع العيد؟ إن الإجابة عن السؤال ستضعنا أمام أسراره التي خفي بعضها عن فئام منا ردحا من الزمن حتى ظن الكثير منا أن العيدين يمثلان فرحة الجسد والروح في شكل من أشكال المتع الحسية والنفسية، وهذا مطلب مراد. ولكن هل شرع العيد لهذا فحسب؟ أليس للعيدين – في ديننا – أسرار لم تتكشف لسواد عظيم من الناس!!

 فما العيد إذن؟ العيد وما أدراك ما العيد؟ إنه شعور الأمة أنها ذات كيان واحد متماسك مهيب، لا فرق فيه بين رئيس ومرؤوس، ولا صغير ولا كبير، ولا غني ولا فقير أمة وصلت إلى منزلة لا تخشى فيها أحدا إلا الله، ولا تعنو إلا لمن يستحق العبادة. هذه الأمة يليق بها أن تفرح وتمرح وفق ضوابط الدين، بل يجب عليها أن تشعر بالبهجة وتعبر عنها.

 العيد، إعلان واضح إلى الآخرين يقول: أيها الناس، ها نحن أمة الحق لا نهاب إلا الحق، صفنا كالبنيان المرصوص، فحذار حذار أن يمسنا أحد بسوء.

العيد هو بث الطمأنينة في نفوس المسلمين وإشعارهم بأنهم أمة من دون الناس لا خوف عليهم ولا حزن

 العيد: هو شعور المؤمنين بأن الله قد رضي عنهم بعد أن أدوا مناسك الحج وأحكام الصيام. قل لي: لماذا لم يشرع العيد في مكة في زمن الاستضعاف قبل الهجرة؟!

 الجواب: لأن الأمة لم تكن قد حققت تلك المعاني، ولم تصل إلى المستوى الذي يهيئ مناخ الفرح والفسحة والتفرد

وفي ضوء ما تقدم فإني على يقين من أن أمتنا – في الوقت الحاضر – لم تحقق الكثير من مسوغات الفرح بالعيدين .

إننا حيثما يممنا وجوهنا شرقا وغربا, وشمالا وجنوبا نرى سيولا من دماء المسلمين تجري هنا وهناك, نرى آلافا من المسلمين وراء القضبان. نرى مساحات شاسعة من بلاد المسلمين تطؤها جنود الكفار. نرى ثروات الأمة ما بين منهوبة، ومنكوبة نرى مقدرات الأمة يتحكم بها من ليسوا أهلا لأن يؤتمنوا على عود أراك

 نرى فتياتنا تنتهك، وشبابنا يقبر وهم أحياء، وصغارنا يتخطفهم الجوع والفقر؛ نرى ثقافتنا ومقومات وجودنا تنحى لحساب الجاهلية. نرى اعتداء على حق الله في التشريع في مجتمعاتنا. نرى مشروعنا الإسلامي الذي ينبغي أن تبرمج عليه حياتنا يوضع في قفص الاتهام في بلاد الإسلام!!!!!

 ها هو الأقصى يرزح تحت جنود بني صهيون ها هو العالم الصليبي تعبث جنوده في مواقع كثيرة من عالمنا الإسلامي، وها هي مناطق شاسعة وشعوب كثيرة ما زالت تئن من فلول الشيوعية. إننا لا نملك أن نأخذ بأسباب سعادتنا. قل لي بربك كيف نفرح بأيام العيد في ضوء ما ذكر.

 تعال معي، إذا رأيت إنسانا تبتر رجله، أو تقطع يده وهو يتناول آلة موسيقية يدندن بها، ويضحك فماذا تقول عن هذا؟!! أليس المسلمون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له الجسد كله بالسهر والحمى. أليس المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم؟ أليس المسلمون أمة من دون الناس؟ أليس المسلم أخا المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يسلمه ؛ ثم في ضوء ما سبق تقول لي: لماذا لا نفرح بالعيد

يا أخي، إن فلسفة العيد عندي – إن صح التعبير – إن لم تقم على مناخ يحس فيه المسلم أنه سعيد في مجتمع قوي ( بإيمانه وإسلامه ) متماسك مترابط يقوم على قاعدتي الاعتصام بحبل الله ثم الأخوة في الله، والدينونة والحاكمية في هذا المجتمع لله تعالى لا لغيره. إن أيام العيد إن لم تقم على تلك القيم في أي مجتمع ، فلا فرحة حقيقية في قلوب المسلمين . إن الفرحة بالعيد شيء وإقامة شعائر العيد شيء آخر.

 أنا لا أدعو إلى ترك صلاة العيد والخطبة – معاذ الله – ولا أدعو إلى ترك السلام والتزاور فيه، وإلغاء كثير مما تعود الناس على فعله بتوجيه من الشرع ؛ وإنما أدعو المسلمين – في هذه السنين العجاف – وخاصة في هذه الايام المباركة – أن يتذكروا أن لهم أن لهم إخوانا بلا مأوى، وأحبابا ليس عندهم زاد ولا كساء؛ وآخرين لا حول لهم ولا قوة يذبحون كما تذبح الخراف في المسالخ ؛ أن يتذكروا الأندلس وفلسطين والشيشان والعراق الآن ووووووو أن تتحول الذكرى إلى إحساس عميق بأحوال الأمة وهمومها ومشكلاتها؛ وأن يترجم هذا الإحساس إلى عمل ( مهما كان هذا الجهد ) لينصب مع أعمال الآخرين في مجرى كبير يتحول إلى سيل يقتلع كل ما يعوق من إيصال الإعانات إلى المسلمين الجوعى والمظلومين والعراة والمحرومين من أبسط كفايات الحياة مهما كانت صور هذه المساعدات .

إنني أسأل المسلم الكريم, وهو يتناول طعام العيد ويلبس لباس العيد، ويشتري لأولاده الحلوى والرياش والمفرقعات، ويتهيأ لزيارة أقاربه، ويعد العدد للقيام برحلات هنا وهناك مع الأقارب والأصدقاء في أيام العيد – إنني أسأله: لو أنه خلا بنفسه وتفكر فيما قلته سابقا فماذا هو فاعل في العيد؟ وما ذا ينبغي عليه؟ :

 إذا اشترى ثوبا جديدا لولده أن يذكره أن له إخوة من المسلمين لا يملكون ستر عوراتهم، وإذا أطعمه مما لذ وطاب يقول له: يابني، إن لك إخوانا يبحثون عن لقمة الطعام في أكوام النفايات إن أفطروا لم يتعشوا، وإذا تعشوا، فربما تعذر عليهم الإفطار، وإذا اصطحبه لزيارة أقاربه يهمس في أذنيه: إن لك أحبابا من أبناء دينك حيل بينهم وبين ما يشتهون مما أنت الآن تصل إليه بيسر وسهولة. إنهم وراء القضبان، أو حالت حوائل شتى بينهم وبين آبائهم وأطفالهم وذويهم.

 إننا إذا تربينا على هذه المعاني العيدية ، فحينئذ ندرك رسالة العيد وحكمته التي من أجلها شرع.

 إننا في اعتقادي ينبغي أن نعد أيام العيد فترة انتهاء عبادتين فيهما خيركثير،وترويح عن النفس لا أكثر. وأما العيد بما يحمل من قيم, وبما يرمز إليه من معان قد ذكرت سابقا، فهيهات هيهات أن تتحقق في ظل الأوضاع التي نحياها, ولاسيما إذا اعتقدنا أننا أمة واحدة، لنا رب واحد، ودين واحد، ورسول واحد، وقيم ومبادئ وأهداف مشتركة بين المسلمين .

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


مالك فيصل الدندشي

إجازة في الآداب – قسم اللغة العربية / جامعة دمشق
دبلوم عال في الشريعة الإسلامية / معهد الدراسات الإسلامية في القاهرة

مالك فيصل الدندشي من سوريا - محافظة حمص والمولود في العام/ 1949م.
تلقيت تعليمي الابتدائي والمتوسط والثانوي في بلدتي ( تلكلخ ) ثم التحقت بالجامعة في مدينة دمشق, وحصلت على الإجازة ( بكالوريوس ) في الآداب – قسم اللغة العربية وتخرجت في العام 1974م.
عملت في التعليم العام في سوريا ثم في المعاهد العلمية التابعة إلى جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية مدة إحدى وعشرين سنة وخلال هذه المدة سافرت إلى القاهرة وحصلت على دبلوم عال في الشريعة الإسلامية.
أعمل الآن مدرساً منذ تسع سنوات في مدارس الفرسان الأهلية وخلال إقامتي في الرياض حصلت على عشرات الدورات والورش والمشاغل في مواضيع مختلفة في التربية والتعليم.
كتبت العديد من المؤلفات والأبحاث والمقالات في موضوعات شتى.


تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...