هذا فقرنا لها أون لاين - موقع المرأة العربية

هذا فقرنا

عالم الأسرة » همسات
06 - جماد أول - 1436 هـ| 25 - فبراير - 2015


1

تُوفي والدي وأنا صغير،  فانضممت إلى  قافلة الأيتام في بيت الأسرة، كنت أعيش في زمان الصفة البارزة فيه هي الفقر، فهي السمة الأولى والوسطى  والأخيرة.

 وقد استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من الفقر كما ورد عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَدْعُو بِهَؤُلاءِ الدَّعَوَاتِ: اللَّهُمَّ فَإِنِّي أعوذ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ النَّارِ، وَعَذَابِ النَّارِ، وَفِتْنَةِ الْقَبْرِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْغِنَى، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْفَقْرِ، وأعوذ بِكَ مِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِمَاءِ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ. وَنَقِّ قَلْبِي مِنَ الْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الأبيض مِنَ الدَّنَس، وَبَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ فَإِنِّي أعوذ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ وَالْهَرَمِ وَالْمَاْثَمِ وَالْمَغْرَمِ"رواه مسلم. فالفقر قد ترك توقيعه في كل مكان.

والمكان هو بيت الحمولة، وأصبح عائلنا الوحيد هو عمي، والذي كما أسلفت لكم بعضا من حاله حيث إنه فقير مال، وبيته مكتظ بالنساء والأطفال، وهو المسؤول عن إطعام  هذه الأفواه الجائعة، وملء بطونها بعد وفاة أخويه الاثنين، وترك أسرتيهما تحت رعايته.

ولنرى كيف أثر شظف العيش على خلق عمي محمد.

سأعطيكم مثالا واحدا, وأترك  لخيالكم الواسع بقية الأمثلة.

كنت ألعب في الحارة (السكة) فإذا عمي يهتف باسمي بصوت خافت،  فكنت أتلفت يمنة ويسرة إلا أنني لا أراه، فيعاود الهمس ثانية، فإذا به مختبئ خلف زاوية الممر الثاني للحارة، فيشير لي صامتا أن أقبل عليه.

فأسرع الخطى فإذا به يخفي خلفه غرضا.

بني هذا آيس كريم اجلس هنا وكله، ولا تخبر به ولدي عيسى.

هل تعلمون من هو ولده عيسى؟

ولده عيسى هو الولد الوحيد لعمي و يكبرني بعام واحد فقط، ورزقه الله به في كبره، و بعد العديد من البنات.

نعم يعطيني الآيس كريم وكنا في بلدتنا نسميه الليدي، وعلى الرغم من اسمه الإنكليزي إلا أن واقعه هو مختلف الحال، وكان  عبارة عن ماء مثلج وصبغة حمراء، تُصنع بطريقة بدائية في كيس بلاستيكي، وكان مبلغه زهيدا.

 رأى عمي محمد الليدي، فاحتار في أمره، فهو تمنى لو اشتراه للجميع، ولكن رغم زهد ثمنه، فإنه لا يملك ثمنه، ولا يستطيع حتى أن يشتري اثنين  ليعطي أحدهما لي والآخر لولده الوحيد، فآثر أن يفرح بها اليتيم.

ونفسه تردد: ابن  أخي  طفل صغير ويتيم وأبوه ميت، ولن يتمكن أبدا من شراء آيس كريم له، بينما أنا حي فهناك فرصة أن يرزقني الله من واسع فضله، وأتمكن من شرائه لاحقا لولدي.

حين رأيت الآيس كريم فرحت، وبالطبع حينها لم تهمنِ الخلفية الفكرية  للموضوع، فكل ما يهمني الآن هو أكل الآيس  كريم، وفعلا تناولته بنهم سريع. ولكن كالعادة، اللحظات السعيدة لم تستمر طويلا، فجأة ودون سابق إنذار وإذا بولد عمي عيسى أمامي.

     من اشترى لك الآيس  كريم؟   فأشرت إلى والده الذي ما زال واقفا قريبا.

      ونسيت وعدي مع والده، لأنني لم أرد أن يفسد علي لذة  استمتاعي  بالآيس كريم، فانطلق عيسى كسهم منفلت، وبدأ في طلب آيس كريم فاعتذر أبوه،  فبكى ابن عمي بكاءا مريرا، فما كان من عمي إلا أن أخذه جانبا فقال له: بني ابن عمك يتيم، ليس عنده أب، فاشتريت له هذا الآيس كريم، أما أنت فلست بيتيم عندك أب أفضل من الآيس كريم.

ولكن مهلا كيف بصغير مثل عيسى أن يعقل مثل هذه الأمور، زاد بكاؤه وانطلق إلى أمه شاكيا.

صدقوا أو لا تصدقوا، فقد كرر عمي محمد شراء الآيس كريم لي وحدي حتى كبرت، وفي كل مرة يضبطني ابن عمي عيسى بالجرم المشهود، فيرى أثر الآيس  كريم على وجهي، وعلى ثيابي، وفي كل  مرة  ينطلق باكيا إلى أمه.

هذا ما كان الفقر يفعله بنا في زماننا.

 كان الفقر  يزيدنا تضامنا ووصلا وحنانا وتعاطفا  

رحمك الله يا عمي محمد، كنت أميا لا تقرأ ولا تكتب، لم تقرأ كتابا تربويا، ولم تحضر محاضرة، لكنك تترجم ما تسمعه في المسجد وما تمليه عليك فطرتك السليمة.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
-- إيمان - السعودية

06 - جماد أول - 1436 هـ| 25 - فبراير - 2015




رائعة .. مبكية
ماأجمل حسن الخلق... إنها طريق للجنة بإذن الله

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...