البعد الآخر للحياة

عالم الأسرة » همسات
13 - رجب - 1432 هـ| 15 - يونيو - 2011


1

لقد حرص الإسلام على توسيع الحياة للإنسان بأشكالها وألوانها وأطيافها ، فلم تقف عند حدود الحياة المادية، فقط بل تعداها إلى ذلك الجانب المشرق الذي تتزن به كفة الإنسان المخلوق من قبضة من الطين، ونفخة من روح الله.

وعندما غفل الناس عن معنى الحياة، وافتتن الفلاسفة بالإنسان فاختلفوا في تكوينه ونفسيته وتركيبه، عاد الغافلون والمفتونون بخفي حنين إذ ارتكزوا على القيم المادية فقط .

ولهذا كلما كانت النفس مشبعة بالقيم المادية كلما كانت منكمشة على ذاتها، مسلوبة الحركة، خاملة الفاعلية، قليلة الخير.

 

ومن هنا جاء الاسلام ليهذب الإنسان، ويعرفه بحقيقة وجوده، وأنه ليس فردا يعيش لذاته دون الآخرين، بل على العكس لن تكون لهذا الفرد قيمة حضارية ووجودية إلا من خلال الآخرين، وأبسط الأفعال التي حث الاسلام عليها "أفشوا السلام بينكم" (رواه مسلم 54)

" المؤمن يألف ويؤلف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف، وخير الناس أنفعهم للناس" ( رواه الطبراني في الأوسط 5949، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة 426).

"أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينا، أو تطرد عنه جوعاً، ولأن أمشي مع أخ لي في حاجة أحب إلى من أن أعتكف في هذا المسجد، يعني مسجد المدينة، شهراً، ومن كف غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظه، ولو شاء أن يمضيه أمضاه، ملأ الله عز وجل قلبه أمنا يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى أثبتها له، أثبت الله عز وجل قدمه على الصراط يوم تزل فيه الأقدام " (رواه ابن أبي الدنيا في قضاء الحوائج 36 ، وحسنه الألباني في الترغيب 2623).

وتتعدى هذه القيمة الحضارية والوجودية لهذا الإنسان في تعامله مع الكون كله، فإذا هو والكون في صداقة وسلام وأمن وأمان "لا يغرس المسلم غرساً فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا طير إلا كان له صدقة إلى يوم القيامة" وفي رواية " ما من مسلم يغرس غرساً إلا كان ما أكل منه له صدقة، وما سرق منه له صدقه، وما أكل السبع منه فهو له صدقة، وما أكلت الطير فهو له صدقة، ولا يرزؤه أحد إلا كان له صدقه " (رواه مسلم 1552).

إن هذه التصرفات البسيطة المتواضعة، لها قيمة كبرى في الوجود، وفي تربية النفس البشرية على العطاء، والبذل والتضحية ، وما كانت هذه الثورات العربية لتنجح بعد توفيق الله إلا لعامل الخير الموجود في النفوس، الخير للآخرين والتضحية للآخرين، والعمل من أجل الآخرين، ولو تقاعس كل إنسان مقدما فرديته وأنانيته أو سلبيته لما كان هناك ثورة!!

ثم إن الإنسان المادي يغفل عن أثر هذا الفعل لقصر نظره، ومحدودية فكره، بينما الإنسان الذي يعطي ويضحي ويغيث ويساعد ويحب الآخرين يعلم أن الله ليس بغافل عنه.

فعندما يعطي الجار جاره قسما مما اشتراه فماذا خسر وماذا ربح؟!

هل خسر هذا القسم الذي اشتراه؟

هل خسر ماله الذي دفعه ثمنا لذلك القسم، فلم يعد عليه بقيمة.

أم ربح ابتسامة ودعوات من جاره، وتعدى ذلك إلى الأمان والطمأنينة، والإخاء، وسلام النفس، وسلام الجار، وسلام المجتمع..

وما أجمل نداء رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر "يا أبا ذر! إذا طبخت مرقة، فأكثر ماءها، وتعاهد جيرانك " (مسلم 2625).

وربما يتعجب البعض من تكثير ماء المرقة !! وما الفائدة منها ؟ ولكن المسألة ليست في المرقة، وإنما في الإيجابية لدى الإنسان المسلم، فيتحرك ويعطي ويبذل ...

وليست المسألة في رجل الشاة عندما قال صلى الله عليه وسلم  " يا نساء المسلمات، لا تحقرن جارة لجارتها، ولو فرسن شاة" (صحيح البخاري 6017) وإنما المسألة أكبر من ذلك بكثير في الإيجابية المتحركة، والفاعلية المتأصلة لدى المرأة المسلمة لتعطي وتعطي وتعطي من دون أن تحصل على مقابل.

 

إن فعل الخير يجعل للحياة حياة، حتى إذا مات صاحبه لم يمت بموته، بل عاش من بعده ..

وما أجمل كلام سيد قطب رحمه الله الذي خطه لأخته أمينة قطب رحمها الله في رسالة أفراح الروح "إننا عندما نعيش لذواتنا فحسب، تبدو لنا الحياة قصيرة ضئيلة، تبدأ من حيث بدأنا نعي، تنتهي بانتهاء عمرنا المحدود! أما عندما نعيش لغيرنا: أي عندما نعيش لفكرة، فإن الحياة تبدو طويلة عميقة، تبدأ من حيث بدأت الإنسانية، وتمتد بعد مفارقتنا لوجه هذه الأرض!! إننا نربح أضعاف عمرنا الفردي في هذه الحالة، نربحها حقيقة لا وهماً، فتصور الحياة على هذا النحو يضاعف شعورنا بأيامنا وساعاتنا ولحظاتنا، فليست الحياة بعدد السنين، ولكنها بعداد المشاعر. إننا نعيش لأنفسنا حياة مضاعفة حينما نعيش للآخرين، وبقدر ما نضاعف إحساسنا بالآخرين، ونضاعف إحساسنا بحياتنا، نضاعف هذه الحياة ذاتها في النهاية".

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
-- Hiba - الأردن

14 - رجب - 1432 هـ| 16 - يونيو - 2011




جزاك الله كل خير على هذا المقال الرائع وجعله في ميزان حسناتك

-- أم عبد الله -

15 - رجب - 1432 هـ| 17 - يونيو - 2011




أكثر من رائع!.. بارك الله فيكم و جزاكم عنا خير الجزاء!... مؤثر للغاية!

-- عبير - السعودية

15 - رجب - 1432 هـ| 17 - يونيو - 2011




مقال جداااااااااااا رائع و يدخل الايجابيه في النفوس وله تاثير في حياة القارئ له , جعله الله في موازين حسناتكم

-- -

27 - رجب - 1432 هـ| 29 - يونيو - 2011




والله موضوع رائع جزاكم الله خيرا

-- ام عبدالله -

28 - رجب - 1432 هـ| 30 - يونيو - 2011




سلمت هذه الانامل...وبارك الله فيك.لقد احييت في نفوسنا اشياء جميلة .

-- thinker - السعودية

29 - رجب - 1432 هـ| 01 - يوليو - 2011




مقال راااااااااااائع و يدخل الايجابيه في النفوس جعله الله في موازين حسناتكم
استأذنك ان أخذ قسم منه...لما له من تأثير جمييل

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...