هموم الصغيرة ... وأخطاؤنا الخطيرة!!! لها أون لاين - موقع المرأة العربية

هموم الصغيرة ... وأخطاؤنا الخطيرة!!!

هموم طبيب في العيادة الإنسانية

عالم الأسرة » شؤون عائلية
06 - شوال - 1430 هـ| 26 - سبتمبر - 2009


1

"أنا أعيش في ضوضأة، أنا لا أقدر على فعل الخير(!!!).

هل أنا (وحشة). أنا (حلوة). أنا غير أصحابي. كلهم عندهم أب وأم. وأنا بابا وماما (منفسلان)(!!!). أصحابي عندهم مودة ورحمة. وفي بيتنا لا يوجد مودة ورحمة(!!!).

أنا لا أستطيع أن أعيش. حرام عليكم. حرام. حرام(!!!)".

كانت تلك هي بعض صرخات؛ أقصد مفردات خواطر سطرتها طفلة صغيرة، على إحدى صفحات كراستها؛ واختارت لها هذا العنوان الغريب المؤثر: (مذكرات)!.

وطالعتني عليها سراً، وخلسة، إحدى الأمهات الفضليات؛ المترددات على المركز، وذلك بعد أن فحصت ابنتها؛ والتي كانت تعاني من نزلة شعبية حادة!.

وذلك أثناء سؤالي عن التاريخ المرضي للابنة؛ وما يحيط بها من عوامل بيئية؛ قد تؤثر على سير المرض، وعلى درجة استجابتها للعلاج!.

فكان من ضمن ما قالته الأم؛ أنها وزوجها منفصلان الآن!!!.

والغريب أن هذا الانفصال؛ كان تتويجاً لرحلة عمر، استمرت ثمانية عشرة عاماً؛ أثمرت ثلاث زهرات جميلات، متفوقات، وأسعد كثيراً لترددهن على مركزي؛ لمجرد رؤية هؤلاء الزهرات اليانعات، اللبقات، الرقيقات؛ وقد رزقهن الله سبحانه أم على مستو راق من التفكير، وتتابع المواقع الألكترونية؛ خاصة ما يختص بتربية الأبناء، والعلاقات الأسرية؛ وتطالعها بانتظام، وتناقشني في استشاراتي التربوية عليها!.

فحزنت لكلماتها القليلة التي لفها شجون؛ وهي تلقي بكلماتها بأسى دفين؛ وكأنها جبال من صخر، أوهنتها، وأثقلت كاهلها، فأثرت على نفسيتها، وتطاير شظى هذه الصخور على أفراد الأسرة الصغيرة؛ فكان من نتاج هذا الشرر الصخري؛ تلك الجروح النفسية الدامية؛ التي ترجمتها تلك الكلمات البريئة؛ وكأنها أنات مكتومة ضعيفة، تترامي إلي سمعي من تحت ركام تلك الصخور!!!.

وكانت المفاجأة، أن ملف الطفلة على الكومبيوتر؛ يعلمني أن عمر هذه الزهرة البريئة، لم يزل على مشارف الربيع الثامن الغض؟!.

ترجيعات حزينة!!!؟:

انصرفت الأم؛ لتحضر الدواء، وطلبت من الممرضة أن تتركني وحدي لحظات؛ وأخذت عيناي تتسابق وتسرع على سطور بسيطة قليلة، تحمل كلمات تلقائية اللغة، عميقة المعاني؛ وكانت سرعتي مصدرها؛ هو ذهولي مما اقرأه، مما جعل يداي ترتعشان، ودموعي تترقرق، والكلمات تتراقص، والأفكار تتصارع، وآلام نفسية تعتصر أضلعي!؟.

حملقت مجدداً في الكلمات البريئة؛ واعدت قراءتها مرات ومرات؛ وكأن تفكيري لا يقو على استيعاب محتواها النفسي، وبعدها التربوي؛ ووقف شعر رأسي ـ أقصد بعض ما تبقي من شعري ـ وذهلت من قوة الكلمات رغم سلاستها، وكأنها مجموعة من الرصاصات التي اخترقت جدار تفكيري، لتصيبني في مقتل!؟.

شُلَّ تفكيري، وتقطعت أوصال خواطري، وتشابكت حبال أفكاري!!!؟.

يا إلهي ...

هل أبكي هموم هذه الزهرة اليانعة؛ هذه الصغيرة الغضة، هذه النبتة البريئة؛ هذه الصفحة البيضاء الناصعة؛ وما أصابها من زلات الكبار؟!.

فلم تقو على الشكوى إلا من خلال صرخات وزفرات؛ تسطرها ببراءة على صفحات الواجب اليومي المدرسي!!!؟.

أم أبكي هذه الأم وهي تتكتم هذه الوريقة؛ وتتألم يومياً وهي ترى أن صغيرتها بدلاً من تتنامى أحلامها الوردية لمستقبل سعيد مشرق، أمام أعينها يوماً بعد يوم، ولحظة بعد لحظة، بل همسة بعد همسة؛ فإذا بها ترى أمامها أحزاناً تتراكم، ومذكراتٍ أليمة تسطر، ونفوساً بريئة تتحطم، وضحكات تنزوي، وزهوراً تذبل، و...؟؟؟!!!.

أم أبكي الكثير من الأحباب والأصدقاء؛ والذين سأقابلهم هذا الأسبوع لمناقشة أحوال أبنائهم المراهقين وقد توترت العلاقات، وتقطعت الروابط ، وتعطلت لغة الكلام؛ وكان من نتاج ذلك أن هؤلاء الأبناء، أسرعوا إلى تدمير حياتهم ومستقبلهم نكاية في أفعال الوالدين، وكرد فعل على تسلط الوالدين، فاحتضنهم بحنان وشوق أصدقاء السوء على المقاهي الشعبية، وما بها من الشيشة، وأدوات اللهو غير البريئة، وعلى المقاهي الألكترونية، الساهرة؛ وما بها من شبكات شيطانية عنكبوتية ماكرة؟؟؟!!!.

والغريب أن معظم، بل كل هؤلاء الأصدقاء الشكائين المتباكين، من الملتزمين!!!؟؟؟.

أم أبكي همومي على حالنا جميعاً ـ وبلا استثناء ـ مع أبنائنا؛ وقد لفها العديد من الأخطاء التربوية القاتلة؟!.

وعدٌ ... ورجاء!:

حضرت الأم الفاضلة، وسلمتها الوريقة، ...

وكان مني الوعد الجاد المخلص؛ بأنني سأعلق على هموم صغيرتها؛ في كتاباتي، وساتناولها في ندواتي ودوراتي!.

وستكون من محاور لقاءاتي مع الآباء والأمهات!.

وكان الرجاء الحار؛ فرجوتها ـ وكذلك كل الآباء والأمهات ـ هل من تضحية من أجل أحب الناس؟!.

وتذكروا ما روته عائشة رضي الله عنها قالت: "دخلت امرأة معها ابنتان لها تسأل فلم تجد عندي شيئاً غير تمرة فأعطيتها إياها فقسمتها بين ابنتيها ولم تأكل منها؛ ثم قامت فخرجت. فدخل النبي صلى الله عليه وسلم علينا فأخبرته فقال: من ابتلي من هذه البنات بشيء كن له سترا من النار". [صحيح البخاري]

ومعنى (ابتلي)؛ أي اختبر وامتحن بأن رزقه الله بنات وسمي ابتلاء لكره الناس عادة لهن ولأنه يغلب أن لا يكن مورد كسب وعيش.

ومعنى (ستراً): أي حاجز يحجزه ويحجبه من النار بفضل تربيتهن والإحسان إليهن.

ثم هل من تنازل يكتب في صفحات موازين الحسنات!.

وهل لكم أن تشاركوننا في تعميم هذه الرجاء والتحذير؛ أرجوكم اقتربوا من الأبناء، ولا تظلموهم بأحكامكم، ولا تغضبوهم بأقوالكم، ولا تدمروهم بأفعالكم، ولا تضيعوهم وتضيعوا بجهلكم أو تجاهلكم لفنون ومهارات التربية التي بح صوتنا في التركيز على أهميتها، وخطورتها!!!.

فشاركوننا بآرائكم، وخبراتكم، وشكواكم!.

وطالعوا استشاراتنا!.

وقيِّموا ما نكتبه وناقشونا وانتقدونا!.

وأسعدونا وأسعدوا أبناءكم بحضوركم أي ندوة أو دورة تختص بالعلاقات الإنسانية؛ خاصة بين الزوجين!.

وكذلك حضور الندوات والدورات المختصة بتربية الأبناء!.

علَّنا ـ جميعاً ـ نرعوي عما نرتكبه في حق أحب الناس إلى قلوبنا!.

وعلَّنا نقترب من بعضنا البعض، فتسود داخل أسرنا تلك المودة والرحمة؛ التي فجرتها تلك الوريقة السرية!.

أخطاء ... وحماقات!:

والعجيب، أو من أقدار الحق سبحانه الغريبة؛ أنني هذه الأيام مشغول بتكملة كتاب يتناول التعليق على نتائج هذه التجربة الثرية؛ والرائعة؛ عن استبيان سري وزعته في عددٍ من الدورات التي تقيمها (وحدة التنمية البشرية) بـ(مركز ولدي الطبي للأطفال بدمنهور) على الآباء والأمهات!.

وكان يدور حول:

(أذكر ـ أو أذكري ـ ثلاثة أخطاء قاتلة ارتكبتها مع أبنائك، وندمت كثيراً عليها، وتتمنى ألا يكررها غيرك!).

وكانت نتيجة الاستبيان؛ تدور حول باقة فريدة من الأخطاء الوالدية التربوية القاتلة في حق الأبناء!!!.

وهذه السلسلة تنشر على حلقات .. وذلك تحت عناوين مختلفة؛ منها (سجل حماقاتي مع أبنائي)!!!.

والطريف أن ولدي الصغير (أحمد) ذو الربيع السابع؛ عندما رأى هذه المقالات، استغرب وقال لوالدته وأشقائه: (لماذا يفضحنا أبي في المجلات؟؟؟!!!!).

فقالت له شقيقته (لينة) والتي لم تتعدى العشر سنوات؛ معلقة على استنكاره، ومصححة له: (لا تغضب يا أحمد؛ لأن بابا لا يتكلم علينا، بل يفضح نفسه هو ويقصد أخطاءه هو؟!).

وكانت مادة جميلة وللتعليقات الطريفة داخل الأسرة!!!.

فسامحكم الله أيها الأبناء!.

دعونا نفضفض، ولو على الأوراق!.

ودعونا نستفيد من تجاربنا وتجارب الآخرين!.

علَّنا نفيق!.

ونحترم مشاعر الصغار الأذكياء!!!؟.

بابا يعترف!!!:

فمتى يتعلم الوالدان؛ أن السلوكيات سواء الحسنة منها أو السيئة؛ هي كالمال؛ يتوارثها الأبناء جيلاً بعد جيل، وقبيلاً بعد قبيل؟؟؟!!!.

وليس عيباً أن يقف الأب ـ أو الأم ـ يوماً أو لحظة صدق مع نفسه؛ ليزيل هذا الحمل الثقيل عن صدره؛ ولا تأخذه العزة بالإثم؛ ويريح ضميره؛ فيعترف بأخطائه مع أبنائه؛ ولو سراً على الورق!!!.

فلعله يعين غيره ويحذره من أن يكرر أخطاءه.

وتدبر معي تلك الرسالة الرائعة، من روائع الأدب العالمي؛ وذلك تحت عنوان "بابا ينسي":

 (يا بني،

أكتب هذا وأنت راقد أمامي على فراشك، سادر في نومك، وقد توسدت كفك الصغير، وانعقدت خصلات شعرك الذهبي فوق جبهتك الغضة!.

فمنذ لحظات خلت كنت جالساً إلى مكتبي أطالع الصحيفة، وإذا بفيض غامر من الندم يطغى عليَّ فما تمالكت إلا أن تسللت إلى مخدعك ووخز الضمير يصليني ناراً!!!.

وإليك الأسباب التي أشاعت الندم في نفسي:

أتذكر صباح اليوم؟!.

لقد عنفتك وأنت ترتدي ثيابك تأهباً للذهاب إلى المدرسة، لأنك عزفت عن غسل وجهك، واستعضت عن ذلك بمسحه بالمنشفة.

ولمتك لأنك لم تنظف حذاءك كما ينبغي.

وصحت بك مغضباً لأنك نثرت بعض الأدوات عفواً على الأرض!.

وعلى مائدة الإفطار، أحصيت لك الأخطاء واحدة واحدة؛ فقد أرقت حساءك، والتهمت طعامك، وأسندت مرفقيك إلى حافة المائدة، ووضعت نصيبا من الزبد على خبزك أكثر مما يقتضيه الذوق!.

وعندما وليت وجهك شطر ملعبك، واتخذت أنا الطريق إلى محطة القطار، التفتَّ إليَّ ولوحت لي بيدك، وهتفت: "مع السلامة يا بابا"؛ وقطبت لك جبيني ولم أجبك!!!.

ثم أعدت الكرة في المساء!؛ ففيما كنت أعبر الطريق لمحتك جاثياً على ركبتيك تلعب "البلي"، وقد بدت على جواربك ثقوب، فأذللتك أمام أقرانك؛ إذ سيرتك أمامي إلى المنزل مغضباً باكياً: "إن الجوارب، يا بني، غالية الثمن ولو كنت أنت الذي تشتريها لتوفرت على العناية بها والحرص عليها!".

أفتتصور هذا يحدث من أب؟!!.

ثم أتذكر بعد ذلك!. ـ وأنا أطالع في غرفتي،ـ كيف جئتَ تجر قدميك متخاذلاً، وفي عينيك عتاب صامت، فلما نحيت الصحيفة عني وقد ضاق صدري لقطعك علي حبل خلوتي، وقفتَ بالباب متردداً، وصحت بك أسألك: "ماذا تريد؟!".

لم تقل شيئا، ولكنك اندفعت إليَّ، وطوقت عنقي بذراعيك وقبلتني، وشددت ذراعيك الصغيرتين حولي في عاطفة أودعها الله قلبك الطاهر مزدهرة، لم يقو حتى الإهمال على أن يذوي بها!.

ثم انطلقت مهرولاً، تصعد الدرج إلى غرفتك!.

يا بني، ...

لقد حدث، بعد ذلك ببرهة وجيزة، أن انزلقت الصحيفة من بين أصابعي، وعصف بنفسي ألم عات!.

يا الله!!!، إلى أين كانت "العادة" تسير بي؟!!.

عادة التفتيش عن الأخطاء؟!!!.

عادة اللوم والتأنيب؟!!!.

 أكان ذلك جزاؤك مني على أنك ما زلت طفلاً؟!!!.

كلا!، لم يكن مرد الأمر أني لا أحبك، بل كان مرده أني طالبتك بالكثير، برغم حداثتك!.

كنت أقيسك بمقياس سني، وخبرتي، وتجاربي!!!؟.

ولكنك كنت في قرارة نفسك تعفو وتغضي، وكان قلبك الصغير كبيراً كبر الفجر الوضاء في الأفق الفسيح!.

فقد بدا لي هذا في جلاء من العاطفة المهمة التي حدت بك إلى أن تندفع إلي وتقبلني قبلة المساء!.

لا شيء يهم الليلة يا بني!!!.

لقد أتيت إلى مخدعك في الظلام، وجثوت أمامك موصوماً بالعار!.

وإنه لتكفير ضعيف!!!.

أعرف أنك لن تفهم مما أقول شيئاً، لو قلته لك في يقظتك!.

ولكني من الغد سأكون أباً حقاً.

سأكون زميلاً وصديقاً!.

سأتألم عندما تتألم!.

وسأضحك عندما تضحك!.

وسأعض لساني إذا اندفعت إليك كلمة من كلمات اللوم والعتاب!.

وسأرد على الدوام ـ كما لو كنت أتلو صلاتي ـ: "إن هو إلا طفل!".

لشد ما يحز في نفسي إنني نظرت إليك كرجل!!!.

إلا أنني وأنا أتأملك الآن منكمشاً في مهدك، أرى أنك ما زلت طفلاً!.

وبالأمس القريب كنت بين ذراعيّْ أمك، يستند رأسك الصغير إلى كتفها.

وقد حَمَّلْتُكَ فوق طاقتك!!!)(1).

(1)[كيف تكسب الأصدقاء؟!: ديل كارنيجي ـ عن رسالة لنفجستون لارند 269-272]

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
-- ام ساره - مصر

10 - شوال - 1430 هـ| 30 - سبتمبر - 2009




مقال رائع ومؤثرجدا ومفيد فعلينا ان نراجع انفسنا دائما

-- عبد العظيم - مصر

21 - جمادى الآخرة - 1432 هـ| 25 - مايو - 2011




جزاكم الله خيراً يا دكتور وكأنك تروي ما أفعله مع أبنائي فهذه حقيقة أننا نحملهم ما لاطاقة لنا به ظناً منا أن تفكيرهم مثل تفكيرنا وجهلنا أو تجاهلنا بأنهم ما زالوا أطفالاً لكل منهم مرحلة العمرية التي يجب أن يعيشها .
أسأل الله أن يرزقنا حسن الخلق حتى نربي أبنائنا بخلق حسن وعلى الخلق الحسن .

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...