للمربية الناجحة 3/4

عالم الأسرة » أمومة وطفولة
18 - ربيع أول - 1423 هـ| 30 - مايو - 2002


وضع الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم أمام المربيات وسائل وأساليب واضحة المعالم لمعالجة انحراف الأطفال وتأديبهم، وتقويم اعوجاجهم، ودعم تكوينهم الخلقي والنفسي.

 ومن أهم الأساليب التي فتح معالمها النبي عليه الصلاة والسلام:

يعتقد العالم السويسري الشهير"بياجيه" أنّ أفضل وسيلة للتعلم عند الأطفال هي أن ندعه يكتشف نفسه بالتفاعل المباشر مع محيطه، ومن ثم توجيهه وإرشاده إلى الخطأ بالحكمة، والتوجيه المؤثر المختصر البليغ .. ويرفض "بياجيه" فكرة تسريع النمو عند الطفل أو استباقه، فالتعليم السليم يرتكز على مستوى التفكير لدى الطفل؛  لذا يجب على الأم أن تعرِّف أطفالها على خبرات تسمح لهم باختيار مفاهيم ذهنية جديدة، وتعديل نظرتهم الخاطئة.. ولاتحاول فرض مهارات جديدة قبل أن تتأكد من أنَّ الطفل مهتم وجاهز لمثل هذه المهارات والتعاليم، وهناك أخطاء مختلفة يقع فيها الأطفال، ويكمن دور الأم في معالجة تلك الأخطاء بالصورة التربوية المناسبة.

 ولنر كيف عالج الرسول صلى الله عليه وسلم بعض الأخطاء: فقد روى البخاري ومسلم عن عمر بن أبي سلمةَ رضي الله عنهما، قال: كنت غلاماً في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم (أي تحت رعايته) وكانت يدي تطيش في الصّحْفة (أي تتحرّك هنا وهناك في إناء الطعام) فقال لي رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم:  "يا غلام !! سمِّ الله، وكُل بيمينك، وكُل ممَّا يليك".

فرسول الله عالج خطأ عمر بن أبي سلمة بطريقة تربوية حكيمة، فلم يزجر الغلام أو يوبخه أو ينهره، بل اختار التوقيت المناسب لعلاج خطأ الغلام، وذلك عندما كان الغلام مستمراً فيه، فقد صححه مباشرة قبل أن يتحوّل إلى عادة يصعب معالجتها.. وهذه لفتة تربوية يجب أن تستفيد منها الأمهات.

كما أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم لم يعالج  طيش يد عمر بن أبي سلمة في الإناء فقط، إنَّما أراد عليه الصلاة والسلام أن يشمل التوجيه تقديم الأسلوب المناسب لعملية تناول الطعام، فقال صلى الله عليه وسلم: "يا غلام سمّ الله وكُل بيمينك وكُل ممَّا يليك".

وتؤكد هذه القصة أنّ ذاكرة الأطفال لتفاصيل الحياة اليومية مدهشة، فطريقة تذكرهم لهذه التفاصيل شبيهة بالطريقة التي يستعملها الإنسان الراشد، أي أنّهم يسترجعون في ذهنهم تفاصيل ما يحدث لهم بعد مرور عام أو أعوام للحدث، آخذين بعين الاعتبار الزمن والمكان لكل حدث.

ويمكن الاستفادة من ذلك في تعويد الأطفال ممارسة السلوكيات والعادات الحسنة كالنظام والنظافة وغيرها، فقد طلبت المدرّسات في إحدى مدن الصين الصغيرة من الأطفال الصغار أن يحملوا أكياساً صغيرة عند خروجهم من بيوتهم وذهابهم إلى المدرسة كل صباح، وأن يضعوا في هذه الأكياس ما يجمعونه من الطريق مما يشوّه النظافة والذوق العام.. وبذلك أصبحت المدينة الصغيرة مدينة نظيفة..!!

فهل لنا أن نعلّم أبناءنا كيف يكون في حوزتهم كيس في السيّارة يضعون فيه النفايات بدلاً من رميها من نافذة السيارة في الطريق؟!

دفء العلاقة التي تربط الطفل بوالديه يعطي للإرشاد والتوجيه فعالية أكبر.. فالطفل الواثق بمحبَّة وعطف والديه يتقبّل منهما الإرشاد إلى الخطأ ويقتنع به، خصوصاً عندما يأتي الإرشاد إلى الخطأ بالملاطفة، ويرافقه شرح واضح للطفل حول سوء تصرفه وتأثيره على الآخرين. ولايمكن للتربية أن تتمّ دون ملاطفة وحبٍّ، فالأطفال الذين يجدون من مربيهم عاطفة وملاطفة في التوجيه والإرشاد إلى الخطأ ينجذبون نحوه، ويصغون إليه بسمعهم وقلبهم.. ولهذا ينبغي للأبوين أن يحرصا على ملاطفة الأطفال أثناء توجيههم وإرشادهم، وألاَّ يعاقباهم بأعمال تُحجر على حريتهم وتحرمهم من تلبية مطالبهم المشروعة.

عوّدي صغارك على حلو الكلام.. وصوني لسانك ـ عند توجيههم وإرشادهم إلى الخطأ ـ عن الكلمة السيئة التي تجرح مشاعر الطفل.. روى البخاري ومسلم عن سهل ابن سعد رضي الله عنه: أنّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أُتى بشراب فشرب منه، وعن يمينه غلام، وعن يساره أشياخ، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم للغلام:" أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟" ـ وهذه هي الملاطفة وأسلوب التوجيه ـ فقال الغلام : لا والله، لا أوثر بنصيبي منك أحداً، فتلّه رسول الله في يده ـ أي بوضع الشراب في يده. وهذا الغلام هو عبدالله بن عباس رضي الله عنهما.

فحينما نتأمل هذا الحديث النبوي الشريف نجد المصطفى صلَّى الله عليه وسلَّم أراد أن يعلّم الغلام التأدُّب مع الكبار في إيثارهم بحقِّه في الشراب قبلهم، وهذا هو الأفضل، .. وقد قال له مستأذناً وملاطفاً وموجِّهاً : "أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟".

طفلك حينما يستشعر بعد إرشاده وتوجيهه إلى الخطأ بالملاطفة بعطفك وملاطفتك له، وأنَّك ما أردتِ من ذلك إلاَّ تربيته وإصلاحه، فلايمكنه بحال إلا أن يتقبل هذا التوجيه، بل و يُقدِّر لهذه المعاملة الرحيمة قدرها، ويؤدِّيها حقَّها، ويسير في مواكب المتقين الأبرار.



روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...