رائدة مشتهي.. عروس تنتظر لحظة الإفراج منذ 22 عاما!!

وجوه وأعلام
03 - جمادى الآخرة - 1431 هـ| 17 - مايو - 2010


1

ستة أشهر فقط فصلت بين نقيضين في حياة السيدة الفلسطينية رائدة مشتهي، وهما الاستقرار ومعاناة الفراق وألم الانزواء في غياهب الوحدة بعد اعتقال الزوج روحي مشتهى.

 أبداً ما استسلمت تلك المرأة للمشاعر الأليمة التي تواكب هذه التجربة، استعانت بالتقرب إلى الله والدعاء والأمل بغدٍ تشرق فيه شمس الحرية على زوجها الأسير والذي حكم بأربعة مؤبدات، إضافة إلى عشرين عاماً فتحيا من جديد معه حياةً ملؤها الحب والسعادة.

في العام 1963 كان الميلاد في ليبيا التي مكثت فيها ستة عشر عاماً من عمرها حتى نهاية الصف الثاني الإعدادي، ومن ثمَّ كان الانتقال إلى الأردن لتكمل دراستها وتنال شهادة الدبلوم في الصيدلة، وما تلبث بعدها أن تدلف إلى غزة الموطن والملاذ فتبهر كل من تعرف على شخصها بأدبها وأخلاقها وعلمها علاوةً على جمالها ورقتها، وتتمنى الأمهات الباحثات عن عروس لأبنائهن أن تكون رائدة هي تلك الزوجة لكن أمنية أم واحدة فقط تحققت هي أم روحي مشتهى.

 تقول السيدة التي باتت على أعتاب الأربعينات من عمرها: "بداية الترشيح كانت من خالات (روحي) اللاتي جئن بسبب علاقة القرابة بيننا مهنئين بالعودة إلى أرض الوطن، ومن ثمَّ كان القرار منه بالتقدم لخطبتي"، تصمت قليلاً وما تلبث أن تتابع بصوت الحنين أن حديثه معها في ذلك اليوم كان يحمل طابع الصدق والشفافية والوضوح قال:"إن حياته ليست ملكه وسألني إن كنت أقبل به زوجاً مصيره محتوم بين ثلاث خيارات لا رابع لها، إما أسير، أو شهيد، أو مطارد"

عندها لم تملك رائدة التي تطلعت دوماً ودعت الله كثيراً أن يرزقها بصاحب الدين والخلق القويم، إلا أن تُكبره في نظرها وقلبها لكنها سألته عمّا إذا كان عمله جهاداً في سبيل الله ولوجهه الكريم، وما إن أكد لها حتى اطمأنت قائلة: "توكل على الله سنسير على نفس الدرب".

زفاف وفراق

في الحادي والعشرين من أغسطس عام 1987كان اليوم الأسعد في حياة روحي ورائدة، اجتمعا على الحب والود واتفقا على السكن إلى بعضهما البعض والرحمة أيضاً، وقتها رسمت الأحلام وردية بحياة تفاصيلها قائمة على رضا الرحمن عز وجل يزينها أطفال يخرجون من رحمها يكونون نسخا مكررة من والدهم، فهو ذو دين وخلق وعلم وأدب وأمانة وشهامة.

 ولم يمض على الأحلام ستة أشهر حتى استفاقت العروس على كابوس الفراق يدق بابها، وتحقق لزوجها أحد المصائر الثلاث التي أخبرها بها وقت تقدم لخطبتها فغاب أسيرا،ً وطال الغياب طويلاً إذ كان قرار المحكمة الأخير تغييبه مدى الحياة أو كما جاء في نص الحكم السجن أربعة مؤبدات بالإضافة إلى عشرين عاماً آخرين، وقتها لم يتوقع أحد أن تبقى على ذات الوجع رهن الانتظار حتى أن روحي نفسه أشار عليها بتحريرها بالطلاق، لكنها أبت بشدة ليقينها أن الأمل سيلوح غدا في الأفق مشرقاً على وجه زوجها، فتبصره وضاءً من غير زجاج ولا شبك.

تقول:"كانت الشهور الستة التي قضيتها بكنفه أجمل أيام عمري، فقد كان حنوناً رائعاً صادقاً، كنت أراه يقيناً من زمن الصحابة الكرام، فأحببته حباً جما، كان وسيلتي التي استعنت بها على فراقه حتى اليوم، وحتى آخر يوم في عمري"، مؤكدة أنها أبداً لن تفرط فيه وستظل على ذات العهد والوفاء ما دام قلبها نابض بالحياة.

انتظار وصبر كبير

منذ اعتقال الزوج روحي كتب الله على قلب رائدة الصبر، في البداية قالت: السنوات قليلة فقط سبعة، ولن تطل بإذن الله فقررت الصبر والاحتساب،  لكن السنوات السبع امتدت بشكل رهيب قد تفنى معه الأجساد وتغيب في القبور دون أن تنقضي لكنها آثرت الصبر بمزيد من الأمل والتفاؤل رافضة اقتراحات الزوج بمنحها حريتها لتبني وتؤسس مع أحدٍ غيره حياة أخرى فيها يلهو حولها أطفال ينادونها بأحب كلمة لدى أي امرأة، عندها قالت كلمتها سأنتظرك على طول الأيام وإن فرقنا بعاد الأسر فالملتقى بإذن الله في الجنة.

تقول السيدة وقد ارتسمت على ملامحها ابتسامة رضا بقدر الله: "كان القرار صعباً لكن الله منحني الصبر، فمرت الشهور والسنوات وما زالت تمر وأنا أنتظر عودة روحي لتعود الحياة إلىَّ التي خطفت مني من جديد".

 كانت تحلم أن يفك قيده في صفقة تبادل سابقة فتحقق حلمها بإنجاب أطفال يملئون الدنيا من حولها فرحاً، إلا أن الحلم لم يتحقق حتى الآن، تغيب في لحظات صمت تستعيد ذكريات الزيارات لروحي تؤكد أنه كان يمازحها أنه ما إن سيخرج من أسره سيكافئها بالالتفات إلى أخرى يتزوج بها، فتشير له أنها ستدعو عليه، فيضحك ويحدق بعينيها ويقول لها إنه لا يعرف كيف يكافئها على انتظارها.. تقول: "في البداية كنت أستشيط غضباً وغيرة رغم يقيني أن ذلك مجرد مزاح، لكن الآن وبعد أن شارفت الأربعين لا أستطيع أن أكون أنانية فأحرمه من إنجاب الأطفال".

 من ناحية أخرى تشير السيدة إلى أن سر ثباتها وصمودها عدم ارتكانها للأحزان، ومحاولاتها الدائمة لملأ  فراغها بارتياد المساجد لسماع المحاضرات والندوات الدينية، وتعلم علوم القرآن سواء التلاوة أو التجويد، بالإضافة إلى الحفظ إذ استطاعت أن تحفظ خمسة أجزاء من القرآن، ناهيك عن عدم تركها لبيت زوجها فالذكريات الجميلة والأيام السعيدة التي قضتها معه وعلى الرغم من قلتها تعينها على الصبر وتحملها على الثبات أيضاً، وتضيف أن عملها في مجال شؤون الأسرى بجمعية النور أيضاً يمنحها القوة، وكذلك علاقاتها الاجتماعية الواسعة تجعلها تبصر هموم وآلام غيرها فتهون عليها مصائبها وآلامها.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...