آمال أب وأنات أم.. قصة واقعية (1ـ2) لها أون لاين - موقع المرأة العربية

آمال أب وأنات أم.. قصة واقعية (1ـ2)

عالم الأسرة » همسات
15 - محرم - 1436 هـ| 08 - نوفمبر - 2014


1

 

كان صاحبنا كغيره من الشباب يطمح في الزواج في فترة العشرينيات، وكانت الظروف مهيأة له، ولكن كانت تحدثه نفسه إذا تزوج من الآن (مبكرا من وجهة نظره) و وهب بالأطفال واحدا بعد الآخر، فسيكون لديه عدد كبير منهم، وهو لا ينوي أن يحدد نسله بعدد معين، ولا يريد أن يمنع منحا مُنحها من ربه، فكان يحاذر ويتحسس خطاه قبل أن يسير في درب الزواج. وبعد أن ألحت أسرته عليه خاصة والده، بدأ يبحث عن شريكة عمره. وهذا الأمر يكون يسيرا لو كانت من البلدة نفسها التي يقطنها، ولكن إذا كانت من بلدة أخرى، فإن ذلك يتطلب بحثا حثيثا، واستعانة بالأقارب والمعارف حتى يتحصل على مراده، وفي هذه الأثناء سنحت له فرصة للسفر لدولة أوروبية، وأخرى عربية، وبما أنه مسلم يريد أن يحافظ على دينه، وألا يتعرض للفتنة آثر السفر إلى الدولة العربية "السعودية". وبدأت السنة الأولى له في المملكة، وبعد انتهاء العام، رجع إلى بلده الأم في الإجازة الصيفية، وطفت على السطح من جديد فكرة البحث عن زوجة والارتباط بها؛ حتى يكمل دينه، ويبدأ مشروع الأسرة الذي هو بداية لبناء مجتمع بأسره، يصلح بصلاحها ويشقى باعوجاجها وبعدها عن المنهج الذي ارتضاه لها ربها وخالقها.

وانتهت إجازة العام الأول، وتم الاهتداء إلى فتاة للزواج، ولكن الأمر سرعان ما انهار وذهب مع الريح إثر سوء فهم غير مقصود، ورغم حزن صاحبنا على فشل هذه التجربة الذي لازمه شهرين أو يزيد، إلا أنه أخذ يعلل النفس بأن هذا أولا وأخيرا بقدر الله ولا مفر منه. وأن البكاء على أطلال الماضي لا يفيد الإنسان في حاضره أو مستقبله. وانقضت التجربة الأولى بحلوها ومرها، ومرت الشهور وانقضى العام الثاني، وتأهب صاحبنا من جديد للسفر وقضاء الإجازة السنوية في بلده، وخوض تجربة البحث عن زوجة من جديد، وقد تهيأ له هذه المرة عدد لا بأس به من الفتيات في أماكن مختلفة، وقدر الله له الارتباط بإحدى هذه الفتيات، فخطبها قبل أن يعود إلى السعودية بعد انقضاء إجازته، ومر العام سريعا ونزل الشاب متأهبا للزواج في هذه الإجازة واستقدام زوجته معه، وبدأت حياتهما الزوجية سعيدة هانئة، وإن شابها بعض الكدر أحيانا، الذي سرعان ما كان يزول وتعود الحياة من جديد إلى البيت السعيد.

 ومرت الأيام والليالي وتلتها الأشهر، وكغيرهما من الأزواج ينتظر كل منهما أن يرزقا بمولود، ولكن حدث ما لم يكن في الحسبان، وشاء الله تعالى أن يتأخر الزوجان في الإنجاب، وبدأت رحلة البحث عن علاج للموانع التي تعوق حدوث الحمل في هذه الأثناء ـــ أخذا بالأسباب ـــ مع التوكل على الله من قبل ومن بعد، وكان تأخر الإنجاب له وقع الصاعقة، خاصة على الزوجة التي كان يعتصرها الألم عندما تمر سنة تتبعها أخرى دون جدوى أو أمل في قدوم مولود، بعد أن أجريت عمليات عدة (تسع عمليات) أرهقتهما ماديا وبدنيا ونفسيا، ولم يكن إيلام هذه الجراحات والعمليات بأشد وقعا على الزوجة، إذا قورن بتنغيص لها من قبل الزوج، عندما كان يدور بينهما حوار عن تأخر الإنجاب ـــ وهذا وارد بين البشر، في مثل حالتهم إلا من هدى الله ـــ وكأنه يومئ إليها بأنها السبب، وهو يريد أن يتزوج، فكان ذلك يقع عليها وقع السهام في القلب. أو كمن يذبح إنسانا بسكين ثلمة، وكثيرا ما كانت لا تتمالك نفسها من البكاء الذي يذرف على الخدين مدرارا، خاصة عندما تغلق على نفسها غرفتها وتختلي بنفسها. ولسان حالها يكاد يفصح عما بداخلها صارخا: وما ذنبي في هذا كله؟! ليتني أملك شيئا أفرج به عن نفسي وزوجي وأسعده ونفسي، وأحقق ما نتمناه! لكن ما باليد حيلة! وعندما كان الزوج يضغط عليها بالزواج من أخرى تقول له: إذن طلقني؛ فأنا لا أطيق ذلك ولا أقدر عليه، خلقني الله على ذلك؛ ربما تتحمله زوجة أخرى. أما أنا فلا أجد إلى ذلك سبيلا (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) ولكن الزوج كان يعود إلى رشده سريعا، محاولا إرضاءها، وأنه لم يكن يقصد إيذاءها لا بالقول ولا بالفعل، ولكن نزغات شياطين الإنس والجن التي لها مفعول السحر في بني آدم إلا من عصم الله. وعندما يختلي الزوج بنفسه يراجع ما قاله أو فعله ويندم عليه، معاتبا نفسه قائلا: أنت تعلم أن زوجتك لم تدخر جهدا لفعل أي شيء متاح، من إجراء للعمليات أو تناول للأدوية. وتحملت الكثير من أجل تحقق الإنجاب، ولكن الله لم يأذن بذلك بعد، هذه مشيئة الله فلا تحملها ما لا تطيق أو تضغط عليها فتنفجر بالبكاء والنحيب، وهو ما لا يفيد، بل يزيد المشكلة تعقيدا، وتجتمع عليها طلقات العتاب من الزوج وآلام البدن، وهذا قلما يطيقه بشر. وهذا يقع كثيرا من الزوج الذي هو بشر من لحم ودم أولا وأخيرا، وما زاد الطين بلة أن أقرب صديقاتها كن يخفين حملهن، ويبتعدن عنها أحيانا ـــ لا أعلم لماذا؟! ـــ إلى حد أنه إذا أنجبت إحداهن طفلا أخفت أخباره ولا تظهرها لها إلا نادرا، فهل هناك شعور أقسى من ذلك؟!، فكم تحملت هذه الزوجة الصابرة المحتسبة الإساءة التي كان يشتد إيلامها، خاصة عندما تقع من أقرب الناس إليها، وكثيرا ما كانت تصبِّر نفسها وتذكّر غيرها بأن الله لن يخذلها أو يتركها دون أن يرزقها البنين والبنات، فكانت على ثقة تامة بربها ثقة تحدت بها الصعاب التي وقفت حائلا في طريقها كثيرا. مرددة: "فرج الله قريب"، فعلى الرغم من هذه الأحاسيس والمشاعر التي امتزجت بالغصص أحيانا، هان كل ذلك في سبيل الإنجاب، والشعور بإحساس الأبوة والأمومة الفطري الذي فطر الله الآباء والأمهات عليه.

في الحلقة القادمة نستكمل قصة صاحبنا وزوجته فإلى اللقاء...

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...